القرطبي

3

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

إلا علام الغيوب ، فأخبره الله تعالى في خطابه بذلك الضمير ، فعلم أن الذي يخاطبه هو الله جل وعز . وسيأتي في سورة " القصص " بيان معنى قوله تعالى : " نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة " ( 1 ) إن شاء الله تعالى . الرابعة - قوله تعالى : " ثم يحرفونه " قال مجاهد والسدي : هم علماء اليهود الذين يحرفون التوراة فيجعلون الحرام حلالا والحلال حراما اتباعا لأهوائهم . " من بعد ما عقلوه " أي عرفوه وعلموه . وهذا توبيخ لهم ، أي إن هؤلاء اليهود قد سلفت لآبائهم أفاعيل سوء وعناد ، فهؤلاء على ذلك السنن ، فكيف تطمعون في إيمانهم ! . ودل هذا الكلام أيضا على أن العالم بالحق المعاند فيه بعيد من الرشد ، لأنه علم الوعد والوعيد ولم ينهه ذلك عن عناده . قوله تعالى : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به ى عند ربكم أفلا تعقلون ( 76 ) أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ( 77 ) قوله تعالى - " وإذا لقوا الذين آمنوا آمنا " هذا المنافقين . وأصل " لقوا " لقيوا ، وقد تقدم ( 2 ) . " وإذ خلا بعضهم إلى بعض " الآية في اليهود ، وذلك أن ناسا منهم أسلموا ثم نافقوا ، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذب به آباؤهم ، فقالت لهم اليهود : " أتحدثونهم بما فتح الله عليكم " أي حكم الله عليكم من العذاب ، ليقولوا نحن أكرم على الله منكم ، عن ابن عباس والسدي . وقيل : إن عليا لما نازل قريظة يوم خيبر سمع سب رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فانصرف إليه وقال : يا رسول الله ، لا تبلغ إليهم ، وعرض له ، فقال : " أظنك سمعت شتمي منهم لو رأوني لكفوا عن ذلك " ونهض إليهم ، فلما رأوه أمسكوا ، فقال لهم : ( أنقضتم العهد يا إخوة القردة والخنازير أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته ) فقالوا :

--> ( 1 ) راجع ج 13 ص 281 . ( 2 ) يراجع ج 1 ص 206 طبعة ثانية